أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
264
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
من الكاف ، فقيل : أعطيتكه وأعطيتكيه كذلك حذفت الياء اللاحقة للياء ، كما حذفت من أختها ، وأقرت الكسرة التي كانت تلي الياء المحذوفة ، فبقيت الياء على ما كانت عليه من الكسر ، قال : فإذا كانت الكسرة في الياء على هذه اللغة ، وإن كان غيرها أفشى منها ، وعضده من القياس ما ذكرنا لم يجز لقائل أن يقول : إنّ القراءة بذلك لحسن ، لاستقامة ذلك في السماع والقياس ، وما كان كذلك لا يكون لحنا . قلت : وهذا التوجيه هو توضيح للتوجيه الثاني ، الذي قدمت ذكره ، وأما التوجيه الأول فأوضحه الفراء أيضا . قال الزجاج : « أجاز الفراء على وجه ضعيف الكسر ، لأن أصل التقاء الساكنين الكسر » . قال الفراء : « ألا ترى أنهم يقولون : « مذ اليوم ومذ اليوم » والرفع في الذال هو الوجه ، لأنه أصل حركة « مذ » ، والخفض جائز ، فكذلك الياء من « مصرخيّ » خفضت ولها أصل في النصب » قلت : تشبيه الفراء المسألة ب « مذ اليوم » فيه نظر ، لأن الحرف الأول صحيح ، لم يتوال قبله كسر ، بخلاف ما نحن فيه ، وهذا هو الذي عناه الزمخشري بقوله ، فيما قدمته عنه ، فكأنها وقعت بعد حرف صحيح ، وقد اضطرب النقل عند الفراء في هذه المسألة ، كما رأيت من نقل بعضهم عنه التخطئة مرة والتصويب أخرى ، ولعل الأمر كذلك ، فإنّ العلماء يسألون فيجيبون بما يحضرهم حال السؤال ، وهي مختلفة التوجيه . الثالث : أن الكسر للاتباع لما بعدها ، وهو كسر الهمز من « إِنِّي » ، كقراءة « الْحَمْدُ لِلَّهِ » * . وقولهم : بعير وشعير وشهد ، بكسر أوائلها اتباعا لما بعدها ، وهو ضعيف جدا . التوجيه الرابع : أن المسوغ لهذا الكسر في الياء - وإن كان مستثقلا - أنها لما أدغمت فيها التي قبلها قويت بالإدغام ، فأشبهت الحروف الصحاح ، فاحتملت الكسر ، لأنه إنما يستثقل فيها إذا حذفت وانكسر ما قبلها ، ألا ترى أن حركات الإعراب تجري على المشدد ، وما ذلك إلّا لإلحاقه بالحروف الصحاح . « والمصرخ » : المغيث ، يقال : استصرخته فأصرخني ، أي : أعانني ، وكأن همزته للسكت ، أي : أزال صراخي ، والصّارخ هو المستغيث ، قال : 2910 - فلا تجزعوا إنّي لكم غير مصرخ * وليس لكم عندي غناء ولا نصر « 1 » ويقال : صرخ يصرخ صرخا وصراخا وصرخة ، قال : 2911 - كنّا إذا ما أتانا صارخ فزع * كان الصّراخ له قرع الظّنابيب « 2 » يريد : كان بدل الإصراخ ، فحذف المضاف ، وأقام مصدر الثلاثي مقام مصدر الرباعي ، نحو : « أنبتكم من الأرض نباتا « 3 » ، والصّريخ : القوم المستصرخون ، قال : 2912 - قوم إذا سمعوا الصّريخ رأيتهم * ما بين ملجم مهره أو سافع « 4 » والصّريخ - أيضا - المعينون ، فهو من الأضداد ، وهو محتمل أن يكون وصفا على « فعيل » كالخليط ، وأن
--> ( 1 ) البيت لأمية بن أبي الصلت انظر البحر المحيط ( 5 / 414 ) ، القرطبي ( 9 / 357 ) . ( 2 ) البيت لسلامة بن جندل انظر ديوانه ( ) الكامل ( 1 / 3 ) ، التهذيب « ظنب » ( 14 / 490 ) . ( 3 ) سورة نوح آية ، ( 17 ) . ( 4 ) البيت لحميد بن ثور انظر شرح ديوان الحماسة ( 1 / 29 ) ، المغني ( 1 / 63 ) ، التصريح ( 3 / 107 ) ، الأشموني ( 3 / 107 ) ، البحر المحيط ( 1 / 29 ) .